جحيم الحرب أرحم من نار اللجوء.. أسباب تدفع اللاجئين في تركيا للعودة إلى سوريا

جحيم الحرب أرحم من نار اللجوء.. أسباب تدفع اللاجئين في تركيا للعودة إلى سوريا

سه شنبه ۱۰ مهر ۱۳۹۷ ساعت ۰۷:۱۵
امتیاز این گزینه
(0 آرا)

الفرحة التي ترتسم على وجوه السوريين الذين خرجوا من تركيا نحو الأراضي السورية عبر معبر باب الهوى الحدودي لا يمكن أن تضاهيها فرحة، هنا يرمي اللاجئ السوري -ولو مؤقتًا- حِمل الهجرة الثقيل، ويمضي نحو تحقيق حلمه بالعودة إلى وطنه، والاستمتاع ببعض الوقت في سوريا بين أهله.



لقد مضى أكثر من سبع سنوات على معاناة السوريين، كانت كفيلة بدفع مئات الآلاف من بين أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري في تركيا للعودة إلى بلادهم، ليس فقط لأن ظروف اللجوء القاسية جعلت معظم اللاجئين يرغبون بشدة في العودة إلى سوريا، بل أيضًا لأن الأوضاع في تركيا لا تشجع على البقاء من الناحية الاقتصادية والقانونية.

السوريون يسلمون بطاقة «الكميلك» التركية

حين اندلعت الانتفاضة السورية في مارس (آذار) عام 2011، كان الشاب السوري رضا يتابع دراسته الجامعية في حلب، لكن سرعان ما فرضت عليه الظروف الانقطاع عن الدراسة، والسير في درب الثائرين ضد النظام السوري.

كانت الأيام والسنون تمر عليه باحثًا عن مستقبل يرضي طموحه، فقرر تعلم ميكانيكا السيارات، ثم خرج بهذه المهنة نحو تركيا، عله يجد عملًا يعيله ويعيل أسرته التي تركها في سوريا. قضى رضا ثلاث سنوات في تركيا دون أهله، عمل في صناعة المعالق الخشبية، يقول رضا: «العمل بشكل عام في تركيا متعب، كنت أعمل 12 ساعة متواصلة مقابل 1400 ليرة تركية شهريًّا، وهو الأمر الذي زاد سوءًا بعد تدهور وضع العملة التركية، ذاك الأمر الذي دفع الكثير مما أعرفهم لتفضيل الرجوع إلى إدلب على البقاء في تركيا».

وحين قرّر رضا الاستقرار في إدلب -أو أصبح قرار العودة إلى تركيا «من المستحيلات» كما قال- شعر بارتياح كبير. وهو يوضّح لـ«ساسة بوست»: «استقرّ هنا منذ سبعة أشهر، تحقق نصف حلمي وهو العودة إلى سوريا، وبقي النصف الآخر وهو أن أجد عملًا في مجال تخصصي، وأبني حياتي من جديد، أنا متفائل أن الأمور ستحسن قريبًا، ويشجعني أن القرار قد اتخذه العديد من معارفي».

من أصل نحو 153 ألف عادوا في إجازة عيد الفطر الماضي من تركيا إلى سوريا، كان رضا واحدًا من 50 ألف سوري فضلوا البقاء هناك طواعية، وهو عدد مقارب لعدد السوريين الذين لم يعودوا إلى تركيا في إجازة عام 2017، إذ بلغ عددهم أكثر من 40 ألفًا، وتظهر أرقام خاصة بشهر يوليو (تموز) 2017 أن 10% من السوريين الذين خرجوا من تركيا نحو سوريا لقضاء

الإجازة الصيفية قد سلموا بطاقة «الكميلك» (بطاقة تعريف تركية)، وكان هذا الرقم يعني أن نحو 15 ألف شخص من مجمل الزائرين قرروا عدم العودة، ويضاف إلى هؤلاء عدد آخر غير معروف فضّل عدم تسليم البطاقة لكسب المزيد

من الوقت في تقرير البقاء في سوريا من عدمه.

وفي أرقام هذا العام أيضًا يظهر أن نحو نصف مليون لاجئ سوري، عادوا إلى بلداتهم حتى الآن، ويعد أغلب العائدين هم من محافظة إدلب، الذين قرّروا البقاء في المحافظة بعد توقيع اتفاق «مناطق خفض التصعيد».

ومن هؤلاء الذي قرروا العودة، اللاجئ السوري أدهم الذي أقام في أحد المخيمات بولاية كهرمان مرعش التركية لستة أعوام، فقد عانى داخل المخيم من أنظمة معقّدة كانت تقيده، إضافة إلى قلّة فرص العمل. يقول أدهم: «ظروف المخيم التي باتت تشبه السجن الكبير أجبرتنا على العودة، فالتضييق من جهة الأتراك كبير جدًا في الفترة الأخيرة، ما حملني على اتخاذ هذا القرار».

ويضيف أدهم الذي عاد إلى مدينته مارع التي يسيطر عليها الجيش الحر الآن: «عدت إلى مارع (حلب) مع عائلتي، وواجهتنا في بداية الأمر عدة صعوبات، كقلة فرص العمل، وعدم ضبط الأسعار وبالتالي الغلاء، بالإضافة إلى الفلتان الأمني، لكن اليوم تبدو الأمور أفضل بعد أن أخذ الاستقرار طريقه إلى المنطقة نسبيًّا، وأنا على الصعيد الشخصي تمكنت من الحصول على عمل في سلك الشرطة، ورغم أن المرتب ضعيف إلا أن ذلك أفضل من البقاء من دون عمل».

قلة العمل وأزمة الليرة يدفعان السوريين للعودة

يحارب السوري من أجل أن يصل لاجئًا إلى تركيا، ويعرض حياته للخطر الشديد الذي يتعرّض له خلال رحلة اللجوء وتجاوز الحدود التركيّة، خصوصًا مع تشديد تركيا لأمنها الحدودي منذ وقعت اتفاق عام 2016 مع الاتحاد الأوروبي لوقف الهجرة غير الشرعية، وقد شهدت المنطقة الحدوديّة إطلاق نار على سوريين حاولوا اجتياز الحدود من طرف قوّات حرس الحدود التركية.

لكن متاعب اللاجئ السوري لا تنتهي باجتياز الحدود، فحين يصل إلى تركيا تواجهه مشكلة إيجاد عمل في البلد الذي يضم أكبر عدد من اللاجئين في العالم (سجلت تركيا ما يقرب من 3.6 مليون سوري)، فهو بحاجة إلى المال من أجل تغطية نفقاته على الطعام والإيجار والملابس، وفي حال وجد فرصة عمل فهو يعامل معاملة الأجنبي عند تقديم طلب الحصول على تصريح عمل، كما يتعين على الشركة أن توظف 10 أشخاص أتراك مقابل توظيف السوري، ولذلك ليس بإمكان العديد من الشركات التركية تحمّل تكاليف ذلك.

ويستثنى من عملية الحصول على تصريح العمل مجال الزراعة، بسبب تراجع أعداد القوى العاملة التركية مع انتقال الشباب إلى المدن، تقول السورية أم مصطفى: «في يوم من الأيام يمكنك العثور على عمل، لكن في اليوم التالي قد لا تستطيع فيه إيجاد عمل، وفي بعض الأحيان يجعلونك تعمل لكنهم لا يدفعون لك، وحتى إن دفعوا، فالأجر لا يكفيك»، وتقلّ أجور الرجال السوريين في المتوسط بحوالي 95 دولارًا عن نظرائهم الأتراك، في حين أن أجر المرأة السورية أقل بنحو 140 دولارًا مقارنة بالرجل، ويبلغ متوسط الأجر في تركيا 2850 ليرة، أي ما يعادل 470 دولارًا.

كما يعاني آلاف السوريين عند التقدم للحصول على إقامات رسمية في تركيا من مصاعب عدة، كعدم وجود جوازات سفر صالحة مع أختام دخول قانونية، واشتراط الحكومة الحصول على دخول جديد إلى الأراضي التركية، وهؤلاء بشكل عام معرضون لأن ترحلهم السلطات التركية، بعد أن قررت تركيا التوقف عن تسجيل معظم طالبي اللجوء السوريين الذين وصلوا مؤخرًا.

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في يوليو (تموز) الماضي: إن وقف التسجيل أدى إلى عمليات ترحيل غير مشروعة إلى سوريا، وأوضحت المنظمة: «تركيا مُلزَمة بقاعدة عدم الإعادة القسرية بموجب القانون الدولي العرفي، والذي يحظر إعادة أي شخص بأي شكل من الأشكال إلى مكان يواجه فيه خطرًا حقيقيًّا بالاضطهاد، أو التعذيب، أو غيره من ضروب سوء المعاملة، أو تهديد الحياة».

وتابع تقرير المنظمة: «يشمل ذلك طالبي اللجوء الذين يحقّ لهم تقديم مطالباتهم بصورة عادلة وعدم إعادتهم، دون استفادتهم من الإجراءات الواجبة، إلى أماكن يخشون فيها التعرض للأذى. لا يجوز لتركيا إكراه الناس على العودة إلى الأماكن التي يواجهون فيها الأذى بحرمانهم من الوضع القانوني، أو الحصول على الخدمات الأساسية».

ورغم أن الحصول على الجنسية التركية هو فرصة عظيمة للكثير من السوريين، إلا أن التجنيس له عواقب سلبية على اللاجئ السوري، فمجرد الحصول على هذه الجنسية تتوقف المعونة المخصصة للاجئين السوريين من الأمم المتحدة أو من الحكومة التركية، بل إن الحاصل عليها مُطالب بدفع الضرائب في حال القيام بأعمال حرّة، إضافة لأن الحصول على الجنسية التركية يعني قلة فرص العمل لأصحاب الحرف اليدوية؛ إذ يفضل أرباب العمل الأتراك تشغيل السوريين، لكون أجورهم أقل ومن دون تأمين أو ضمان صحي، كما تفرض الخدمة العسكرية للذكور، وقد يذهب الشباب المجند للقتال في سوريا.

ومؤخرًا وقعت أزمة تراجع قيمة الليرة التركية أمام الدولار لتلقي بظلالها على حياة اللاجئين السوريين في تركيا، فالسلطات التركية لم تتخذ أي إجراءات لتعزيز وضعية اللاجئين وموقفهم خلال هذه الأزمة، ويذكر تقرير موقع «ميدل إيست آي» البريطاني أن: «اللاجئين السوريين قد يجبرون على العودة إلى وطنهم بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا حاليًا، فقد ساهمت أزمة الليرة في ارتفاع الأسعار، وأدت إلى اضطراب المجتمع التركي، بما في ذلك اللاجئين السوريين الذين يشكلون الفئة الأكثر ضعفًا في البلاد».

وينقل الموقع عن مواطن سوري يدعى أحمد المغربي قوله: «أسعار معظم المواد الغذائية والخضراوات والخبز ارتفعت خلال الأسابيع القليلة الماضية، فقد كانوا في السابق يقتنون الخبز بحوالي 1.5 ليرة، أما في اللحظة الراهنة فقد وصل سعره إلى ليرتين، والأمر سيان بالنسبة للبيض واللبن والكثير من الأغذية الأخرى التي ارتفعت أسعارها بمعدلات متباينة، مما جعل حياتنا أكثر صعوبة».

تركيا تحثّ اللاجئين على العودة الطواعية

مواطنينا الأعزاء: على من يرغب في الرجوع إلى مناطق الداخل الآمنة من عفرين- جرابلس مراجعة مكتب خدمات السوريين في بلدية إسنيورت الذي يتكفل بتوصيلكم مجانًا، بالتعاون مع الهلال الأحمر التركي، وشكرًا.

كانت هذه رسالة قصيرة تلقّاها السوريون المقيمون في تركيا على هواتفهم في مايو (أيار) الماضي، وهي مؤشّر واضح على أن أنقرة تحث على العودة الطوعية للاجئين السوريين إلى مناطق تصنّف آمنة بفعل الاتفاقيات أو نتائج المعارك، ويُضاف إلى ذلك قول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في يناير (كانون الثاني) إن عمليات أنقرة في سوريا «تهدف إلى تأسيس العدالة هناك، وضمان عودة 3.5 ملايين سوري يعيشون في تركيا إلى أراضيهم».

وفعليًّا أخذ اللاجئون السوريون بالعودة إلى مناطق معينة كمدينة جرابلس الحدودية وبلدات ومدينة الباب التي كانت معقل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وحررت في عملية «درع الفرات» في أغسطس (آب) 2016، ومنطقة عفرين التي تمكنت تركيا والجيش الحر في مارس الماضي من تحريرها من سيطرة الأكراد السوريين في عملية «غصن الزيتون».

فحسب المصادر التركية تركزت مناطق عودة اللاجئين في سوريا بأعزاز وعفرين في ريف حلب الشمالي وجرابلس والباب، حيث عكفت أنقرة على إصلاح وترميم البنى التحتية والخدمات كالمدارس وشبكات المياه والمستوصفات وبناء المشافي، ووفرت خدمات فنية، وقد أطلقت أنقرة بعد المعركتين السابقتين برنامج «العودة الطوعية»، بهدف تشجيع عودة اللاجئين السوريين إلى هذه المناطق.

وتقول المصادر التركية إن عودة السوريين مستمرة منذ الأول من يناير 2015، وبلغ عدد الذين عادوا إلى بلادهم عبر معبر أونجو بينار الحدودي في ولاية كليس التركية، حوالي 160 ألف لاجئ سوري من تركيا إلى أراضيهم، كما أن تمكن تركيا من وقف الهجوم على إدلب يبعث الثقة والطمأنينة بين المدنيين، ويسهل عودتهم إلى بيوتهم، بدليل أن نحو 50 ألف لاجئ لم يرجعوا إلى تركيا عقب انتهاء عطلة عيد الأضحى الماضية، فالسلطات التركية تمنح من يغادر لقضاء فترة الأعياد إجازة، وتمددها كي يتحرى العائدون الوضع ويقرروا العودة من عدمها.

ميرفت عوف

نوشتن نظر